الفيض الكاشاني
38
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
بالعزلة أو قدح فيه بترك الخلطة فإنّ كلّ ذلك يؤثّر في القلب ولو مدّة يسيرة وحال اشتغال القلب به لا بدّ أن يكون واقفا عن سيرة في طريق الآخرة فإنّ السير إمّا بالمواظبة على ورد وذكر مع حضور القلب ، وإمّا بالفكر في صفات الله وجلاله وأفعاله وملكوت سماواته ، وإمّا بالتّأمّل في دقائق الأعمال ومفسدات القلوب وطلب طرق التخلَّص منها ، وكلّ ذلك يستدعى الفراغ والإصغاء إلى جميع ذلك ممّا يشوّش القلب في الحال وقد يتجدّد ذكره في دوام الذكر من حيث لا ينتظر ، وليكن له أهل صالحة أو جليس صالح لتستريح نفسه إليه في اليوم ساعة عن كدّ المواظبة ففيه عون على بقيّة الساعات ، ولا يتمّ له الصبر في العزلة إلا بقطع الطمع عن الدّنيا وما الناس منهمكون فيه ، ولا ينقطع طمعه إلا بقصر الأمل بأن لا يقدّر لنفسه عمرا طويلا ، بل يصبح على أنّه لا يمسي ، ويمسي على أنّه لا يصبح فيسهل عليه صبر يوم ، ولا يسهل عليه العزم على الصبر عشرين سنة لو قد تراخى الأجل ، وليكن كثير الذكر للموت ووحدة القبر مهما ضاق قلبه من الوحدة ، وليتحقّق أنّ من لم يحصل في قلبه من ذكر الله ومعرفته ما يأنس به فلا يطيق وحشة الوحدة بعد الموت ، وإنّ من أنس بذكر الله ومعرفته فلا يزيل الموت أنسه إذ لا يهدم الموت محلّ الأنس والمعرفة ، بل يبقى حيّا بمعرفة الله وأنسه فرحا بفضل الله تعالى عليه ورحمته كما قال تعالى في الشهداء : « ولا تحسبنَّ الَّذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربّهم يرزقون . فرحين بما آتاهم الله من فضله » ( 1 ) وكلّ متجرّد للَّه في جهاد نفسه فهو شهيد مهما أدركه الموت « فالمجاهد من جاهد نفسه وهواه » كما صرّح به رسول الله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ( 2 ) والجهاد الأكبر جهاد النفس كما قال لأصحابه : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » ( 3 ) . هذا آخر كتاب العزلة من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء ويتلوه إن شاء الله كتاب آداب السفر ، والحمد للَّه أوّلا وآخرا وظاهرا وباطنا .
--> ( 1 ) آل عمران : 169 . ( 2 ) أخرجه الترمذي وابن حبان عن فضالة بن عبيد بسند صحيح كما في الجامع الصغير . ( 3 ) الجعفريات باب صفة الجهاد الأكبر ص 78 .